مرجعية أهل البيت(ع) في القرآن الكريم - آية المودة

flower 12

قال الله سبحانه وتعالى: )قُـلْ لا أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(([1]).

روي أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما.

ويـدلّ عليـه مـا روي عـن علـيّ(ع): «شكـوت إلـى رسول الله (ص) حسد الناس لي، فقال: أما ترضى ان تكون رابع أربعة؛ أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين».

وعن النبي(ص): «حُرّمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي»([2]).

وعن الإمام محمد الباقر(ع) أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: «هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد صلى الله عليه وآله في أهل بيته»([3]).

وعن الإمام جعفر الصادق(ع) قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية؟ قيل: إنّهم يقولون: إنّها لأقارب رسول الله(ص)، قال: «كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين(ع) أصحاب الكساء» ([4]).

عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر عن قوله تعالى: )قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(([5])، فقال: «هم والله من نصيبه من الله على العباد لمحمد(ص) في أهل بيته»([6]).

وقال سعيد بن جبير وغيره: «هم آل محمد»([7]).

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية )قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى( قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وولديهما».

وروي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيد ذلك، أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين(ع) أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم. فقال علي(ع): أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت حم؟ قال: نعم. قال: أما قرأت: )قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى( ؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم([8]).

وروى شاذان عن علي(ع) قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا مؤمن، ثم قرأ هذه الآية، وإلى هذا أشار الكميت في قوله:

       وجدنا لكم في آل حم آية             تأولها منا  تقي ومعرب

ولله تعالى در السيد عمر الهيتي أحد الأقارب المعاصرين، حيث يقول:

         بأيـة  آية  يأتـي  يزيـد                    غـداة صحائف الأعمال تتلى

وقام رسول رب العرش يتلو   وقد صمت جميع الخلق قل لا ([9]) .

وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما أنزل الله عزّ وجلّ: )قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(، قالوا: يا رسول الله؛ من هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: عليّ وفاطمة وأبناؤهما.

وعلّق القرطبي على ذلك قائلاً:

وكفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرب إلى الله بطاعته ومودّة 
نبيه(ص) وأهل بيته، منسوخ، وقد قال النبي(ص): من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً، ومن مات على حبّ آل محمد جعل الله زوار قبره ملائكةُ الرحمة، ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس اليوم من رحمة الله، ومن مات على بغض آل محمد لم يرَ رائحة الجنة، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي([10]).

فالآية الكريمة تشير إلى أنّ المراد بالقربى هم آل محمد (ع) وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأبناؤهم كما دلت على ذلك تفاسير الأئمة من أهل البيت (ع)والمعاصرين لهم، والمؤرخين والمحدّثين، وكذلك تفاسير أئمة الفقه، كما هو مذكور في المصادر المعتبرة.

وفي المراد (بالقربى) خمسة أقوال:

أحدهما: إنّ معنى الكلام: إلاّ ان تودّوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين.

قال ابن عباس: ولم يكن بطن من بطون قريش إلاّ ولرسول الله(ص) فيهم قرابة.

والثاني: إلاّ أن تودّوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جبير، والسدي.

ثم في المراد (بقرابته) قولان:

أ - علي وفاطمة وولدها.

ب - انهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب.

والثالث: إنّ المعنى، إلاّ أنْ تودّدوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من العمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة.

والرابع: إلاّ أن تودّوني، كما تودون قرابتكم، قاله ابن زيد.

والخامس: إلاّ أن تودّوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، حكاه الماوردي([11]).

وفي مجمع البيان: اختلف في معناه على أقوال:

منـها إنّ معنـاه إلاّ أن تـودّوا قرابتـي وعتـرتي وتحفظوني فيهم، عن علي بن الحسين(ع) وسعيد بن جبير، وعمر بن شعيب وجماعة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)([12]).

وهذه الآية المباركة توجّه العقول والقلوب نحو أهل البيت (ع) وتشدّها لهم، وتؤكد على أنّ أجر الرسالة هو محبتهم الحقيقية، فهي تدعو للارتباط بهم عاطفياً ثم فكرياً وسلوكياً.

ومحبتهم وموالاتهم تتحقق في جميع الأبعاد، ويكون البعد العلمي هو الحد الأدنى، لأن الحب يستتبعه الاتّباع بعد الرجوع إليهم في تحديد الأفكار والممارسات ومدى قربها من المنهج الإلهي. والتلازم بين الإتباع والمودة يمكن ان يستفاد من الآية الكريمة: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([13]).

والإتباع يكون نتيجة طبيعية للرجوع إليهم في مجال العلم والمعرفة، حيث يتبع المحب ما يحدد له من مفاهيم وقيم لكي لا تتقاذفه الرغبات والأهواء، وتمزقه الحيرة، ويتأرجح موقفه إلى الشمال وإلى اليمين.

ولم تشر الآية الكريمة إلى موالاة أو مودة غيرهم كأجر للرسالة، فقد انحصر الولاء والود بهم لا غيرهم، وهذا الانحصار من شأنه أن يجعلهم مرجعيةً في جميع الأبعاد ومنه البعد العلمي.

   

المصدر: سایت السبطین  

--------------------------------------------------------------------------------

[1]  ـ الشورى: من الآية23.

[2]  ـ الكشاف 5: 405، محمود بن عمر الزمخشري، مكتبة العبيكان، الرياض 1418هـ.

[3]  ـ تفسير الصافي 4: 373.

[4]  ـ نفس المصدر.

[5]  ـ الشورى: من الآية23.

[6]  ـ تفسير نور الثقلين 6: 396.

[7]  ـ فتح القدير 4: 534.

[8]  ـ روح المعاني 13: 32، الدر المنثور 5: 78.

[9]  ـ روح المعاني 13: 31، 32 ؛ ونظم الدرر 6: 624.

[10] ـ الجامع لأحكام القرآن 16: 23، محمد بن أحمد القرطبي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

[11]  ـ زاد المسير 7: 117.

[12]  ـ مجمع البيان في تفسير القرآن 9: 43.

[13]  ـ (آل عمران:31).

logo test

اتصل بنا