التشيع في خضم التاريخ

ابرز العلماء والمحققون انظارا مختلفة في ميلاد مذهب التشيع وتاريخ ظهوره، ومنهم من واجه المسألة وابدى رأيه فيها بناء على مبانيه النظرية وخطه الفكري واتجاهاته الخاصة، لا

موضوعيا متجردا.

التشيع في خضم التاريخ

وهناك من يرى ان التشيع انما ظهر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) و ان بذرة التشيع انما نمت حينما تصدت الصحابة لتعيين خليفة للنبي. فاليعقوبي مثلا يقول:

(( وتخلف عن بيعة ابي بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع علي بن ابي طالب -عليه السلام- ، ومنهم العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وابو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وابي كعب))(1).

ويقول اخرون: ان التشيع انما ظهر على عهد خلافة علي بن ابي طالب عليه السلام.

ويقول أخرون : ان التشيع انما قام على قدميه في اواخر خلافة عثمان.

واخرون يرون ان الامام الصادق عليه السلام هو مؤسس مدرسة التشيع.

وصدّق أناس بأن اساس التشيع إنما بني على أساس ارادة الايرانيين للانتقام من العرب المسلمين، وان التشيع نشأ من المقاصد السياسية ، او ان الغالب فيه ذلك.

وبعض يرى ان التشيع ظاهرة طارئة على المجتمع الاسلامي ،ولم يكن له وجود بارز وظواهر او مظاهر خاصة يمتاز بها، بل انما اتسع بفعل التطورات الاجتماعية والاصعدة السياسية المتأخرة عن صدر الاسلام وعلى مر الزمان!

وبشأن ميلاد هذا الجزء من اجزاء جسد الامة الاسلامية يرى البعض انه نتاج افكار شخصية موهومة باسم "عبد الله بن سبأ " فينسبون الفكر الشيعي الى ذلك الرجل المتخيل، ويبنون كل ادراكهم وافكارهم وعواطفهم واحكامهم حول التشيع على هذا الاساس، وهم على اساس هذه الظنون انما يقيمون التشيع وكانه استثناء طرأ على المجتمع الاسلامي ناشزاً عنه (2).

هذه المزاعم وغيرها انما هي تهم تتسم بالعناد، وانما وقعت هذه المحاولات سعيا الى ستر الحقيقة والواقع، او إنها نشأت من الجهل بالثقافة الاصلية والتراث الغني الاسلامي في التشيع، وإلا فالواقع غير هذا قطعا.

وقد كتب الدكتور طه حسين المحقق المصري المعروف، في الجزء الثاني من كتابه(الفتنة الكبرى) يقول:

(واقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وابن السوداء في حرب صفين : هو ان امر السبئية وابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا ، قد اخترع متأخراً حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الاسلامية: اراد خصوم الشيعة ان يدخلوا في اصول هذا المذهب عنصراً يهوديا امعانا في الكيد لهم والنيل منهم، ولو قد كان امر ابن السوداء مستندا الى اساس من الحق والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعي ان يظهر اثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين، ولكان من الطبيعي ان يظهر اثره حين اختلف اصحاب علي عليه السلام في امر الحكومة.

وكتب الدكتور محمد كرد علي المحقق المعروف في الجزء السادس من كتاب (خطط الشام) يقول:

( اما ما ذهب اليه بعض الكتاب من ان اصل مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، فهو وهم وقلة علم بحقيقة مذهبهم . ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن اقواله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك، عَلم مبلغ هذا القول من الصواب،. بل لا ريب في ان ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد المتشيع له ، وكان التشيع هناك ضعيف الحول ولكنه مكين في قلوب اهله ثم استفحل امره في العراق زمن خلافة علي عليه السلام) (3).

وكتب الدكتور علي الوردي من اساتذة جامعة بغداد يقول ما فحواه:

( هل كان لابن سبأ وجود خارجي ام هو شخصية خيالية ؟ هذه مسألة لها الاهمية الكبرى بالنسبة لمن يريد ان يقرأ ويحقق في التاريخ الاجتماعي للإسلام. وانا اقول : إن ابن سبأ الذي يقولون عنه انه كان هو محرك الفتنة إنما هو شخصية خيالية ، ويبدو انهم متعمدون في اختلاق هذه الشخصية العجيبة. وقد اتهمت قريش محمد صلى الله عليه واله في بدء دعوته انه انما يتلقى تعاليمه من عبد نصراني يسمى "جبر" وما يقوله انما هو من تعاليم ذلك النصراني)(4).

وبإزاء هذه الآراء يروي المحققون ان اطروحة التشيع انما جاءت على لسان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وان اساس التشيع تكوّن بإشارة رسول الله صلى الله عليه وآله.

كتب حسن بن موسى النوبختيفي كتاب (المقالات والفرق) يقول:

( فاول الفرق: الشيعة ، وهي فرقة علي بن ابي طالب المسمّون شيعة علي في زمان النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم اليه ، والقول بإمامته، ومنهم المقداد بن الاسود الكندي، وسلمان الفارسي، وابو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمار بن ياسر المذحجي، المؤثرون طاعته، المؤتمون به، وغيرهم ممن وافق مودته مودة علي بن ابي طالب عليه السلام، وهم اول من سمو باسم التشيع من هذه الامة ، لان اسم التشيع قديم، شيعة نوح وابراهيم وموسى وعيسى والانبياء)(5).

وكذلك يؤكد المحققون من علماء الشيعة على هذه النظرية، ويروون عدة روايات تفيد ان مبلّغ الاسلام الاول صلى الله عليه وآله هو الذي اطلق كلمة (الشيعة) على اتباع علي عليه السلام وأنصاره.

روى المفسرون والمحدثون من اهل السنة في شأن نزول هذه الاية الكريمة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ }(6)، اخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس : ان هذه الآية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي:( هو انت وشيعتك، تأتي انت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي اعداؤك غضابا مقحمين)(7).

وعلى هذا فالرسول الاكرم قد اطلق على جمع من خواص اصحاب علي عليه السلام ممن كانوا يقتدون به : كلمة (شيعة).

وهكذا نرى ان التشيع من صميم المدرسة الاسلامية بل هو الاسلام بنفسه، وقد جرى اسمه هذا على لسان الرسول الاكرم فان كان يضاف الى لفظة (الشيعة) (الجعفرية) ايضا فإنما هو باعتبار مساعي الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في نشر ثقافة الاسلام والتشيع ، حيث كان قد حصلت على عهده فرصة مناسبة لذلك على اثر المصادمات الاموية والعباسية على الخلافة ، وحينما رأى الامام ذلك الوضع السياسي، وظهور الافكار المختلفة، وابتداع مصادر تشريعية حديثة مثل القياس والاستحسان لاستنباط الاحكام الاسلامية ، بدا برنامجه التغييري لإصلاح الواقع السيء آنذاك في نشر حقائق الدين وتربية الدعاة الصالحين له.

وقد كتب الكاتب المصري المعروف محمد فكري ابو النصر عن هوية التشيع يقول ما فحواه:

(ان الشيعة لا علاقة لهم بابي الحسن الاشعري في الاصول ولا بالمذاهب الاربعة في الفروع، على اساس ان مذهب ائمة الشيعة اسبق من سائر المذاهب، وبالنتيجة فهو اكثر وثوقا واعتمادا ، واحرى من سائر المذاهب بالتبعية، وكذلك هو اجدر بالاتباع لانفتاح باب الاجتهاد فيه الى يوم القيامة ، وايضا فان هذا المذهب لم يكن ليصاغ متأثرا بالقوى والنزاعات السياسية)(8).

ويقول الاستاذ ابو الوفاء الغنيمي التفتازاني:

( وقع كثير من الباحثين - سواء في الشرق او في الغرب، قديما وحديثا- في احكام كثيرة خاطئة عن الشيعة لا تستند الى ادلة او شواهد نقلية جديرة بالثقة. وتداول بعض الناس هذه الاحكام فيما بينهم دون ان يسائلوا انفسهم عن صحتها او خطئها.

وكان من بين العوامل التي ادت الى عدم انصاف الشيعة من جانب اولئك الباحثين الجهل الناشئ عن عدم الاطلاع على المصادر الشيعية، والاكتفاء بالاطلاع على مصادر خصومهم)(9).

وهنا بإمكاننا ان نطلع جيدا على مدى الانحراف عن الحقيقة ، وماهيّة تفكير هؤلاء الذين كانوا يستلهمون الرؤى الطائفية التعصبية البغيضة، او يتأثرون بأجواء سياسية خاصة. ان هؤلاء بدلا من ان يقدموا مصلحة الاسلام والقران والقبلة على كل شيء، كانوا يتسابقون في ما بينهم في نشر التفرقة بين الاخوة المسلمين، وانما الذي يضحون به هو الاسلام.

علينا هنا ان نضيف هذه النقطة، وهي: انه لا ينبغي لنا ان ننسب هذه التسمية (بالشيعة) الى فرقة متفرقة على عهد رسول الله ، فرقة متفرقة عن سائر المسلمين، بل بما ان جمعا منهم على عهد الرسول كانوا يرون ان عليا هو افضل ممن عداه بمراتب كثيرة في العلم بحقائق الاسلام العظيم والقيم والاهداف الرسالية، لذلك كانوا قد انشدوا الى بصيرته النافذة وتفوقه في عقيدته ومعرفته بمبدأ الكمال، بل مجموع القيم الاخلاقية له عليه السلام فكانوا في سعيهم للتعالي في المراتب المعنوية يستوحون منهجه في سيرته كأكمل قدوة انسانية وشخصية ممتازة استأثرت بعناية الرسول الكريم.

نعم، ان الشيعة كفرقة انما ظهرت بعد وفاة الرسول الاكرم اذ ابى خواص اصحاب علي عليه السلام ان يمدوا ايديهم بالبيعة لابي بكر على خطى السقيفة(10). بل تظاهروا بذلك دفاعا عن النصوص الصريحة والقطعية الدلالة التي عينت علياً عليه السلام وليا لأمر المسلمين، واعتراضا على قرار السقيفة بإهمال امامة الامام توجيها وتأويلا لمصلحة الاسلام والمسلمين ، وبذلك افترقوا عن الاكثرية، اذ اراد هؤلاء ان يكون علي بن ابي طالب هو الذي يستقر على مسند القيادة الفكرية والسياسية للامة بعد النبي الاكرم وعلى هذا فقد تأسس التشيع لعلي عليه السلام منذ ذلك الزمان.

اجل، ان الذي اصبح محور الاختلاف والبحث والجدال بعد رحيل الرسول انما هو مسالة القيادة الاعتيادية، لا مقام الامامة التي هي الواجهة الروحية والمعنوية لرسول الله من الله، ثم الى الامام من بعده، ففي جلسة السقيفة لم يطرح احد شيئاً حول اختيار امام او اتخاذ قرار بهذا الصدد، ولم تتحقق اية محاورة بشان تعيين الامام ومقام الامامة.

فهل كان تركهم هذا البحث حول مسألة الامامة لانهم لم يكونوا يشكون او يشككون في القيادة المعنوية والروحية لعلي عليه السلام او ان المدعيين للخلافة حيث كانوا فاقدين لشرائط الامامة لذلك لم يدعوا هذا المقام المعنوي والروحي! فحقيقة الامر واضحة.

اجل، لم تكن مسالة الامامة مطروحة على طاولة البحث الى مدة، وانما بدا طرحها والبحث حولها بعد وفاة عدد من الخلفاء الاولين، فمعاوية مثلاً هو اول من سمى نفسه اماماً!.

في كتب التواريخ وعلماء اهل السنة انما كان الكلام عن الخليفة والخلفاء، ولكنهم مع هذا بالنسبة الى علي وابنائه المعروفين بإمامة الشيعة يذكرونهم بعنوان الامام. والمبحوث عنه في مباحث علم الكلام _اي العقائد_ هو الامام ومسالة الامامة. والشيعة حسب عقيدتهم يرون ان من الضروري الالتزام في شخص الامام وخليفة الرسول صلى الله عليه وآله بموازين دينية دقيقة ومنها التقوى التامة الكاملة، أي العصمة، بالإضافة الى سلسلة من المميزات الاخرى.

وقد كتب احد التلامذة البارزين للإمام الصادق عليه السلام وهو هشام بن الحكم، كتب كتابا في الامامة بحث فيه حول هذه المسألة بنفس العنوان(الامامة).

إعداد: قيس العامري

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر: مقتبس من كتاب اصول العقائد في الاسلام للسيد مجتبى الموسوي اللاري \ مع التصرف

1-اليعقوبي 2: 114ط النجف.

2-للمزيد من المعلومات حول هذا العنصر الموهوم يراجع كتاب عبد الله بن سبا للمحقق القدير السيد مرتضى العسكري. او عبد الله بن سبا بين الواقع والخيال للسيد هادي خسرو شاهي.

3-خطط الشام 6 : 246 ط بيروت.

4-نقلا عن هامش ص 236 للترجمة الفارسية لحياة محمد ص لهيكل. ويراجع كتاب عبد الله بن سبا بين الواقع والخيال للسيد هادي خسرو شاهي.

5-المقالات والفرق : 15.

6-سورة البينة : الآية 7.

7-الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني الفصل الاول باب 11 ص 99 . وغيره الكثير من المصادر.

8-تفسير الطبري 3 : 126.

9-مقدمة المراجعات ط القاهرة : 10 .

10-مع رجال الفكر في القاهرة : 40-41.

المصدر: عتبه حسینیه

logo test

اتصل بنا